مواقع ذات صلة
هل أنت مستخدم جديد؟ قم بالتسجيل الآن
 
دعنا نساعدك
للوصول إلى هدفك.

التوجهات الإستراتيجية للنظام الصحي في لبنان

 
 
الدكتور وليد عمّار 1

تسيطر على القطاع الصحي في لبنان جملة من المفاهيم الخاطئة التي تحجب الرؤية عن المشاكل الحقيقية التي تستوجب المعالجة. وبينما يلاقي هذا القطاع انتقادات متعددة من الإعلام والمواطنين، حاز النظام الصحي في لبنان على تنويهات عديدة في عدة ميادين ومن مرجعيات عالمية، آخرها ما نشر في التقرير العالمي للصحة للعام 2010 الصادر عن منظمة الصحة العالمية.
ان القضايا الإصلاحية في القطاع الصحي هي مطروحة منذ زمن ولقد وُضعت الإستراتيجيات لمعالجتها، ومنها ما قد نجح! اما المشاكل التي مازالت عالقة فلا يمكن التصدي لها دون البناء على الانجازات التي تحققت. وبالتالي لا بد من إعادة النظر بالمفاهيم الخاطئة ومراجعة المقاربات السابقة للقضايا الإصلاحية بهدف الإستفادة من نقاط القوة في النظام الصحي وهي عديدة. هذا ما تهدف اليه هذه الورقة التي تقدم ايضاً تحليلاً للوضع الراهن وتعرض التحديات التي ما زالت تواجه القطاع الصحي لتخلص إلى اقتراح توجيهات استراتيجية وطنية للنظام الصحي.

أولاً: القطاع الصحي والمفاهيم الخاطئة
لقد تميزت فترة ما بعد الحرب الأهلية بإشاعة عدة احكام مسبقة ومفاهيم غير مسندة إلى براهين حول القطاع الصحي. ولقد هيمنت هذه المفاهيم والمعتقدات على الرأي العام وأثرت على أصحاب القرار وأدت إلى رسم سياسات صحية لم تكن جميعها رشيدة. فكان من الطبيعي أن تركز وزارة الصحة في تلك المرحلة بمساعدة جهات مانحة دولية على انجاز دراسات علمية لتشخيص المشاكل على حقيقتها بغية إتخاذ قرارات ورسم سياسات مسندة إلى البراهين العلمية. ولقد اتت هذه الدراسات لتؤكد صحة بعض هذه المفاهيم وتنفي نفياً قاطعاً العديد من الادعاءات و المعتقدات التي كانت سائدة آنذاك. إلاّ أن المفاهيم الخاطئة وبالرغم من اثبات عدم صحتها، ما زالت سائدة حتى اليوم لكثرة تكرارها من قبل الرسميين والإعلاميين في مجتمع يهوى التشهير والإثارة، ولا يحترم العلم والمحاسبة المسؤولة. 
تهدف هذه الورقة إلى عرض واقع النظام الصحي بتجرد وبطريقة علمية مسندة إلى البراهين، لأن صحة الناس لا تحتمل الشعارات الطنانة والمزايدات السياسية خاصة في هذه المرحلة الدقيقة. فكما ان لكل نظام صحي في العالم إيجابياته وسلبياته، للنظام الصحي في لبنان ايضاً نقاط قوة كثيرة يجب التأكيد عليها والإستناد اليها لتحسين نقاط الضعف التي يجب ابرازها بموضوعية بغية معالجتها ضمن خطة استراتيجية وطنية متكاملة.

ولكن لا بد بداية من القاء الضوء على المفاهيم التي اثبت بطلانها للتخلص منها وتوضيح الرؤية التي ستعتمدها هذه الاستراتيجية. تتلخص المفاهيم الخاطئة بما يلي:

1-1    ان انفاق الدولة على القطاع الصحي في لبنان مرتفع ويجب ترشيده بمعنى خفضه
لقد بينت الدراسات ان مجمل ما تنفقه الدولة من خزينتها عبر موازنة الوزارة وحصتها من انفاق الضمان وموازنة الصناديق الضامنة الأخرى بما فيها تعاونية موظفي الدولة والطبابات العسكرية، لا تتعدى 20% من اجمالي الانفاق على الصحة. فضلاً عن كون موازنة وزارة الصحة العامة لا تتعدى نسبة 3% من موازنة الحكومة. وبالتالي لابد من زيادة الانفاق العام على الصحة لتعزيز صحة المواطنين وتلبية احتياجاتهم وأيضاً لتخفيف العبء الملقى على كاهل الأسر. يبقى ترشيد الانفاق العام هدفاً رئيساً في عملية الاصلاح ولكن بمفهوم حسن استعمال المال العام وتحسين مردوديته وليس على الاطلاق تخفيضه.

2-1    عدم الإنصاف في توزيع الخدمات الصحية وذلك لوجود مناطق محرومة من هذه الخدمات، بحيث لا يحصل الفقير على العلاج المناسب كونه بالغ الكلفة 
لقد تبين ان إستهلاك الخدمات نسبة إلى عدد السكان في المناطق الميسورة في بيروت وجبل لبنان هي اقل من باقي المحافظات. كما اُثبت ان ذوي الدخل المحدود يحصلون على نسبة اكبر من الخدمات العلاجية والإستشفائية مقارنة مع الميسورين، وهذا ما يعكس حاجتهم الأكبر لهذه الخدمات. الصحيح هو ان المشكلة لا تكمن بعدم الحصول على الخدمات لا بل على العكس هناك مبالغة في إستهلاكها. ومن المعروف ان الوزارة تغطي علاجات مكلفة حديثة حتى قبل ان تبدأ بتغطيتها انظمة التأمين في الكثير من دول الغنية. الاَّ ان ذلك يؤدي الى انقطاع الدواء بسبب نفاذ الاعتمادات، مما يستوجب اعادة النظر بهذه السياسة لتأخذ بالإعتبار الإمكانات المالية للدولة وترشيد استهلاك الخدمات الصحية وبما يتناسب مع الموارد المتاحة.

3-1    إن حصة المستشفيات من التمويل هي الأكبر بسبب التجاوزات وسوء الإستغلال
لقد تبين ان اجمالي ما يُنفق على المستشفيات الخاصة والحكومية لا يتعدى ربع الإنفاق الإجمالي على الصحة. وإن التجاوزات وإن كانت موجودة فهي مضخمة ولقد ادى تطور العمل الاداري في الوزارة الى الحد منها لدرجة كبيرة. الاّ انه فضلاً عن المثابرة في ترشيد العلاقة مع القطاع الخاص، فإن المستشفيات الحكومية التي بدأت تلعب دوراً هاماً في القطاع تعاني في معظمها من ازمة مالية تستوجب عناية خاصة من قبل الدولة. 

4-1    إن المستشفيات ترفض قبول المرضى على حساب الوزارة ومنهم من لا يستطيع الدخول إلى أي مستشفى فيحرم من العلاج
تبين أن نسبة من يضطر إلى التوجه إلى أكثر من مستشفى لإيجاد سرير لا تتعدى 1% من اجمالي المرضى. إلاّ أنه نسبة للعدد الكبير لحالات الدخول الذي يتعدى 600 حالة يومياً، يكون عدد المرضى الذين يعانون من مشاكل في الدخول يتجاوز الستة كل يوم. وهذا رقم كبير في بلد يصل فيه الصوت بسهولة إلى أعلى المستويات بفضل النسيج الإجتماعي السياسي الطائفي وبوجود وسائل اعلام نشيطة في ابراز معاناة المواطنين. ومن الملفت أن هناك من يستغرب ان يضطر واحد بالمئة من المرضى التوجه الى أكثر من مستشفى ليتمكن من الدخول وليس هناك من يستغرب عدم وجود لوائح انتظار للإستشفاء في لبنان خلافاً للعديد من الدول المتطورة! 

5-1    أن نوعية الخدمة في المستشفيات الخاصة كانت أصلاً جيدة
إن الأبنية الحديثة والأجهزة المتطورة إضافة إلى وجود اطباء ذائعي الصيت، كان يعطي هذا الإنطباع بجودة الخدمات في التسعينيات من القرن الماضي والذي تبين انه خاطئ، حيث اظهرت الدراسات التقييمية ان الخدمات كانت تفتقر آنذاك إلى الحد الأدنى من مقاييس الجودة. ان برنامج اعتماد المستشفيات الذي اطلقته الوزارة عام 2000 غيَّر هذا الواقع جذرياً واصبحت الخدمات الصحية تستوفي اعلى معايير الجودة.

ثانياً: قضايا الإصلاح الحقيقية
هذا بالنسبة للمفاهيم الخاطئة. اما القضية الأساس التي لم تكن متوقعة والتي أبرزتها تلك الدراسات كمشكلة كبيرة تستوجب الحل فهي تتعلق بالنسبة المرتفعة للتمويل من موازنات الأسر. أي ان الدراسات التي اظهرت ان الانصاف في استهلاك الخدمات لا يطرح مشكلة حقيقية بل على العكس فهو أفضل من الكثير من الدول حتى المتقدمة منها، أظهرت ايضاً مشكلة حقيقية تتعلق بالتمويل غير المنصف لهذه الخدمات . ان هذا الامر هو بغاية الخطورة بحيث يدفع بذوي الدخل المتوسط والمحدود إلى مادون خط الفقر بسبب الانفاق على الصحة! و فيما يلي الأسباب:

2-1    يقع العبء الأكبر من التمويل الصحي على كاهل الأسر
إن مصدر الجزء الأكبر من التمويل هو موازنات الاسر إذ يشكل 60% من اجمالي الانفاق على الصحة. ان هذا التمويل الذي يأتي مباشرة من جيوب المواطنين عند شراء السلعة او الحصول على الخدمة، يعتبر من أسوأ انواع التمويل من حيث الانصاف لأنه يشكل عبئاً كبيراً على محدودي الدخل. فبينما شكل الانفاق على الخدمات والسلع الصحية في عام 1998، 14% من موازنة الاسرة كرقم وسطي الاَّ أن النسبة تراوحت بين 20% للأسر الأكثر فقراً و 8% لشريحة الدخل الأعلى.

2-2    إرتباط التمويل العام بالنظام الضرائبي غير المنصف
إن تمويل القطاع الصحي الذي يحل في المرتبة الثانية من حيث الاهمية بعد انفاق الأسر يأتي من خزينة الدولة وهو مرتبط بالنظام الضرائبي. وبالتالي يفتقر هذا التمويل الى الانصاف ايضاً كون النظام الضرائبي هو غير عادل Regressive بحيث يعتمد بشكل كبير على الضرائب غير المباشرة والتي تشكل عبئاً أكبر على الشرائح الأقل دخلاً.

3-2    إستهلاك الدواء يشكل عبئاً على الأسر ويحرم المؤسسات والمهنيين الصحيين من حصة عادلة من التمويل
من ناحية اخرى لقد أكدت الدراسات ما كان متداولاً حول ارتفاع الفاتورة الدوائية بحيث شكلت عام 1998 نسبة 25% من اجمال الإنفاق على الصحة، إلاّ ان هذه النسبة تعدت 30% عام 2005. اتت هذه الزيادة كنتيجة لضبط عناصر الانفاق الأخرى، دون التمكن من خفض الانفاق على الدواء بنفس القدر. وهذا الموضوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإنفاق المباشر من قبل الأسر الذي يعود بمعظمه إلى شراء الدواء من الصيدليات. إن معالجة هذا الموضوع تستوجب حيّزاً خاصاً من الاستراتيجية الوطنية نظراً لأهميتها.

4-2    ضعف قدرات القطاع العام
خلال التسعينيات من القرن الماضي لم تكن الصناديق الضامنة تملك قاعدة للمعلومات حول المستفيدين منها وبالتالي لم يكن بإستطاعة الوزارة معرفة من هو غير مضمون بهدف تغطيته مما ادى إلى ازدواجية في التغطية. فضلاً عن ضعف الرقابة الإدارية والطبية للوزارة والصناديق الضامنة. يضاف إلى ذلك الضعف المؤسساتي لمراقبة النوعية وضبط زيادة الإستهلاك غير المبرر، ناهيك عن غياب التخطيط وضعف البرامج الوقائية. هذه المجالات ما زالت بحاجة لجهود كبيرة بالرغم من انجازات الوزارة التي ادت إلى تحسين ملحوظ في النظام الصحي على عدة مستويات مثل خلق قاعدة معلومات موحدة للمستفيدين من الصناديق الضامنة وبرنامج اعتماد المستشفيات والتي سنتطرق اليها لاحقاً.

5-2    قلّة مردودية الإنفاق الحكومي
تنفق وزارة الصحة العامة 87% من موازنتها على الإستشفاء والأدوية وتحظى البرامج الوقائية والرعاية الصحية الأولية بأقل من 5% من الموازنة. يعتبر هذا النوع من توزيع الإعتمادات بإتجاه الإستشفاء والأدوية، مؤشراً واضحاً لعدم الفعاليّة كون المردود الصحي الأكبر للتمويل يؤمن عن طريق الوقاية والرعاية الأولية وليس العلاج. والجدير بالذكر ان من بين ما يقارب مليوني شخص يحق لهم الإستفادة من تغطية الوزارة، حوالي 240 ألف مواطن يستفيدون من خدماتها ما يشكل نسبة 6% من المواطنين. 7% من هؤلاء يحتاجون إلى علاجات مكلفة كعمليات القلب المفتوح والسرطان وهم يشكلون أقل من نصف بالمئة من عدد السكان ولكنهم يستهلكون ثلث الموازنة.

6-2    الفوارق الصحية بين المناطق
لقد حقق لبنان تقدماً ملحوظاً في تحسين مؤشرات وفيات الأطفال والأمهات إلاّ ان هذه المؤشرات وغيرها لا تزال متفاوتة من منطقة إلى أخرى. هذا التفاوت يشكل تحدياً لمبدأ الإنصاف خاصة وانه لا يتعلق فقط بنظام الرعاية الصحية بل يرتبط مباشرة بالمحدادات الإجتماعية للصحة كالفقر والأمية والبطالة والسكن ويستوجب مقاربة متعددة القطاعات مع التزام سياسي واضح من الحكومة.

ثالثاً: البناء على الإنجازات السابقة
بناءً على الدراسات الآنفة الذكر قامت الوزارة بصياغة استراتيجية تهدف أولاً إلى تخفيف العبء عن كاهل الأسر عن طريق ضبط زيادة الإستهلاك وخفض اسعار الدواء وبنفس الوقت ضمان جودة الخدمات وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية. ولقد حققت الوزارة نجاحاً نوهت به منظمة الصحة العالمية إلاّ اننا ما زلنا بعيدين عن الهدف المنشود مما يستوجب صياغة استراتيجية وطنية جديدة.

فيما يلي إختصار لأهم إنجازات وزارة الصحة العامة التي يمكن البناء عليها في تنفيذ هذه الإستراتيجية:
1-3    إنشاء قاعدة معلومات موحدة للمستفيدين في الصناديق الرسمية
تغطي الوزارة المواطنين غير المستفيدين من الصناديق الضامنة. وكان يتوجب على مقدم طلب التغطية ان يرفق إفادات صادرة عن هذه الصناديق كالضمان الإجتماعي وتعاونية موظفي الدولة تفيد بعدم الإستفادة. وكانت هذه الإفادات تعطى لأي شخص دون إمكانية التدقيق لعدم وجود المكننة. ولقد ادى ذلك إلى ازدواجية في التغطية وحتى في الفوترة من قبل المستشفيات لأكثر من جهة ضامنة. قامت الوزارة بتقديم الدعم التقني لمختلف الصناديق وانشأت قاعدة معلومات موحدة لجميع المستفيدين، مما الغى الإزدواجية وحدّ من سوء الإستغلال وسهل امور المواطنين.

2-3    إعتماد المكننة واللامركزية في إصدار بطاقات الإستشفاء
قبل عام 1995 كان يتوجب على المواطن الحصول على موافقة الإدارة المركزية للوزارة في بيروت للدخول إلى المستشفى. انشأت الوزارة مراكز ممكننة مرتبطة بقاعدة المعلومات وعممتها تدريجياً على جميع الأقضية تسهيلاً للمواطنين. بحيث انه باتت بطاقة الموافقة تصدر بطريقة آلية بعد التأكد من عدم إستفادة المريض من أية جهة اخرى. كما تلحظ البطاقة التعرفة للعمل الجراحي بحيث يعرف المريض مسبقاً قيمة المبلغ المتوجب عليه للمستشفى وذلك منعاً لسوء الإستغلال. ولقد تم مؤخراً ربط نظام الموافقات بنظام الفوترة الممكنن بحيث اصبحت الفواتير ترسل الكترونياً من المستشفيات إلى الوزارة.

3-3    تنمية العناصر البشرية العاملة في الوزارة وفي القطاع الصحي
تقدمت الوزارة بعدة مشاريع قوانين لتنظيم مختلف المهن الصحية المتعلقة بالأطباء وأطباء اسنان وصيادلة ومعالجين فيزيائيين  واختصاصيي تغذية وغيرهم مما ساهم في تطوير وتنظيم عمل هؤلاء المهنيين. وعلى سبيل المثال لقد كان لقانون تنظيم مهنة التمريض وإصدار قانون بإنشاء نقابة الزامية للممرضات الأثر البالغ في رفع شأن هذه المهنة وتعزيز القدرات المؤسساتية للقطاع الصحي. كما قامت الوزارة بإستحداث عدة دوائر في ملاكها لكي تتمكن من القيام بدورها في مجالات الوقاية والعلاج والتأهيل منها على سبيل المثال دائرة الرعاية الصحية الأولية.
ولقد اولت الوزارة اهتماماً خاصاً لتدريب العاملين لديها ومنهم من خضع لبرنامج دراسي جامعي اوصل العشرات منهم للحصول على شهادة ماجستير خاصة من الجامعتين اللبنانية واليسوعية. كما مولت الوزارة برامج تعليم جامعية لتخريج اعداد اضافية من الممرضات لتعويض النقص الكبير لهؤلاء، اهمها مشروع مع كلية الصحة في الجامعة اللبنانية وآخر مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني اللذين ما زالا قائمين حتى تاريخه.

4-3    إعتماد آليات جديدة لشراء الخدمات الإستشفائية وإعتماد سقف مالي لكل مستشفى متعاقد
كانت آليات الدفع المبنية على الفوترة التفصيلية تحفز زيادة استهلاك الأعمال التشخيصية والعلاجية في سبيل زيادة ارباح المستشفيات والأطباء، مما ضخم فاتورة الإستشفاء. ولقد فاقم الأمر تعقيداً عدم وجود سقف مالي مما ادى إلى تخطي اعتمادات الموازنة. إن ادخال المبلغ المقطوع للعمليات الجراحية عام 2000 ادى إلى قلب الحوافز وترشيد الإستهلاك. كما ان لحظ سقف مالي في كل عقد ساهم إلى درجة كبيرة في الحد من تخطي اعتمادات الموازنة.

5-3    إختيار المستشفيات على أساس جودة الخدمات
لقد كانت الوزارة "ملزمة" سياسياً وإجتماعياً وطائفياً بالتعاقد مع جميع المستشفيات العاملة في لبنان ولم تكن تمتلك القدرة على اختيار المتعاقدين على اساس معايير علمية لغياب هذه المعايير. استعانت الوزارة بخبراء دوليين لوضع معايير للخدمات تراعي واقع البلد وبدأت بالتعاقد مع المستشفيات التي تستوفي الحد الأدنى من معايير الأمان. تم تطوير هذا النظام فيما بعد بشكل تدريجي بحيث رفع مستوى المعايير بما يتناسب مع امكانات القطاع الإستشفائي لضمان التزام معظم المستشفيات بها. ان برنامج اعتماد المستشفيات حقق قفزة نوعية كبيرة في مستوى الخدمات الإستشفائية كما اتاح للوزارة الحد من عدد المستشفيات المتعاقدة. كما قامت فيما بعد الصناديق الضامنة الرسمية وحتى شركات التأمين الخاصة بإتباع خطى الوزارة في هذا المجال.

6-3    اصدار قانون استقلالية المستشفيات الحكومية وإنشاء مجالس ادارة لادارتها
كانت المستشفيات الحكومية قد تراجعت خلال الحرب الأهلية حتى أصبحت شبه خالية من المرضى وكان الأطباء والموظفون يتقاضون رواتبهم من الدولة دون انتاجية. وبالرغم من ذلك قررت الحكومة بناء وتجهيز مستشفيات حديثة في كل الأقضية فكان لا بد من اعطاء هذه المستشفيات فرصة للتنافس مع قطاع خاص قوي عبر منحها الاستقلال المالي والاداري وتنظيمها وفقاً للمبادىء الحديثة للادارة. صدر القانون عام 1996 وصدرت تباعاً عن مجلس الوزراء مراسيم تشكيل مجالس ادارة. لقد تم تفعيل هذه المستشفيات من خلال علاقة تعاقدية مع الوزارة وغيرها من الجهات الضامنة تقوم على مبدأ شراء الخدمات بحيث ترتبط ايرادتها، وبالتالي دفع اجور العاملين فيها، بانتاجيتها. ومن المعروف ان فصل تقديم الخدمة الاستشفائية عن الجهة الممولة يساهم بتحفيز المنافسة على استقطاب المرضى كما يعزز عملية المحاسبة على اساس الأداء. لقد زادت انتاجية هذه المستشفيات بشكل واضح بحيث تستقبل حالياً 30% من المرضى المعالَجين على حساب الوزارة. كما ان اخضاع المستشفيات الحكومية الى عملية التقييم على اساس نفس معايير الاعتماد اسوة بالقطاع الخاص قد ساهم بتحسين جودة الخدمات بحيث اصبحت تشكل منافساً حقيقياً للقطاع الخاص. 

7-3    تعديل آلية تسعير الأدوية
لقد كانت آلية التسعير الموضوعة عام 1983 تحدد هوامش أرباح تراكمية مرتبطة بسعر الاستيراد، بحيث تزيد الارباح مع زيادة السعر. كما انها لم تحدد آلية لإعادة التسعير التلقائي بحيث اقتصر ذلك على طلب صاحب العلاقة. عام 2005 اعيد النظر بهذه الآلية، بحيث اصبحت هوامش الأرباح تنازلية مع زيادة سعر الاستيراد، كما الزمت اعادة التسعير بشكل دوري لجميع الأدوية. كذلك قامت الوزارة بمقارنة اسعار الاستيراد مع تلك المعتمدة في الاردن والسعودية بحيث خفضت الاسعار التي كانت تفوق مثيلاتها في هاتين الدولتين. لقد ادّت هذه التدابير الى تخفيض يتراوح بين 5 و 20 بالمئة من أسعار الادوية. الاّ ان المواطن لم يشعر بأثر هذين القرارين بسبب ارتفاع اسعار صرف العملات خاصة اليورو والفرنك السويسري مقارنة بالدولار. ان هذه التجربة وان لم تؤتِ بالثمار المتوخاة منها كانت بحد ذاتها مفيدة بحيث القت الضوء على امور هامة كوجوب اعادة النظر تلقائياً بأسعار الادوية الجنيسية المماثلة عند تخفيض سعر الدواء الأساسي. كما بيّنت التجربة ان ضغط الأسعار نزولاً لن يحدث فرقاً كبيراً كون المشكلة أساساً تكمن في زيادة استهلاك الدواء من ناحية، وعدم وصف الدواء الجنيسي من ناحية أخرى. جميع هذه الامور تستوجب المعالجة ضمن الاستراتيجية الجديدة.

8-3    تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية واعتماد لائحة الأدوية الأساسية
أنشأت الوزارة شبكة من المراكز الصحية ترتكز على علاقة تعاقدية مع مؤسسات القطاع الأهلي حيث تقدم الوزارة الدعم التقني والدواء الأساسي بينما تلتزم المراكز بالرزمة الشاملة لخدمات الرعاية الصحية الاولية بما فيها التلقيح ، الصحة الانجابية، الارشاد الصحي، صحة الفم والاسنان والالتزام بالادوية الأساسية الجنيسية.
لقد أصبح عدد المراكز المتعاقدة 150 مركزاً تخضع حالياً للتدريب على معايير ضمان الجودة بغية تقييمها على أساس الاعتماد. ان هذا المشروع هو مثال للتعاون بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات التي تساهم بعملية صياغة البروتوكولات العلاجية والتدريب. ان ما يميز الرعاية الصحية الاولية هو الكلفة المتواضعة المترتبة على الدولة اضافة الى مساهمة رمزية للمواطن، يقابلهما مردود كبير من حيث التحسن الملموس للمؤشرات الصحية والانخفاض الملحوظ في التكاليف الملقاة على عاتق الأسر. ان شراء الأدوية الاساسية المضمونة الجودة من اليونسف وشراء ادوية الامراض المزمنة وتوزيعها عبر جمعية الشبان المسيحية ساهما الى حد كبير في تحقيق هذه الانجازات . الاّ ان تحسين صورة المراكز الصحية وسمعة وزارة الصحة لدى المواطنين لتعزيز ثقتهم بها تبقى القضية الأساسية للمرحلة المقبلة. 

9-3    برنامج الترصد الوبائي
لا يوجد في هيكلية الوزارة وحدة إدارية تعنى بالترصد الوبائي للقيام بالمهام الأساسية لحماية صحة المواطنين من الأوبئة. أنشأت الوزارة برنامجاً لهذه الغاية عام 1996 وهو عبارة عن نظام لجمع المعلومات حول الأمراض الوبائية وتحليلها للقيام بالمداخلات المناسبة لمعالجة المصابين وحماية باقي المواطنين من انتشار الوباء. يتم إبلاغ الوزارة بالحالات من قبل الجهاز الطبي بناءً على قانون 1957 للأمراض المعدية كما يقوم البرنامج بالتقصي النشط عبر مراجعة سجلات المرضى في المستشفيات. تمتلك الوزارة حالياً قاعدة معلومات حول تطور الأمراض ونمط الإصابات بالأمراض المعدية للخمس عشرة سنة الماضية بما يساعد على مراقبة أي تغيير يطرأ على مسار هذه الأمراض وإكتشاف أي وباء جديد. ان تطور برنامج الترصد الوبائي والمستوى الإحترافي للعاملين فيه من حيث مهارات الترصد والتدخل السريع كانا وراء حماية المواطنين من عدة أوبئة كالأنفلونزا والتهاب الكبد الوبائي وكذلك التسممات الغذائية. يعتبر البرنامج ركيزة أساسية لتطبيق اللوائح الصحية الدولية من ضمن الإستراتيجية الوطنية.

رابعاً: تحليل الوضع الراهن والتحديات التي مازالت تواجه النظام الصحي

1-4    التحديات الناجمة عن عوامل خارج القطاع الصحي
يرتبط النظام الصحي ارتباطاً وثيقاً بالنظام الإقتصادي الإجتماعي فالأزمات التي مر بها لبنان ومازال تشكل التحدي الأكبر للنظام الصحي أكانت أزمات مالية أم إقتصادية أم أمنية. إلى جانب ذلك تتزايد أهمية المحددات الإجتماعية للصحة في تأثيرها على صحة المواطنين كالبطالة والأميّة والفقر والسكن وعدم توفر المياه السليمة وغياب الأمان، بما يجعل القطاع الصحي عرضة للمخاطر الناجمة عن عدة قطاعات أخرى. ان الحروب والحوادث الأمنية تشكل تهديداً استثنائياً، وعلى النظام الصحي ان يكون مهيأً لتلبية حالات الطوارئ ومتابعة تداعياتها النفسية والجسدية وتأهيل الإعاقات الناجمة عنها.
والجدير بالذكر ان على النظام الصحي مواجهة جميع هذه التحديات إضافة إلى عبء التحول الديموغرافي بعد ان اصبحت شريحة الأعمار من ستين عاماً وما فوق تناهز 15% من مجمل السكان وهي بإرتفاع مستمر. ومن المعروف ان التقدم بالعمر يولد احتياجات جديدة خاصة وانه يترافق مع تحول وبائي يؤدي إلى إزدياد الأمراض غير السارية كالسمنة والسكري والسرطان وامراض القلب والشرايين والأمراض النفسية. ولعل من اكثر المفارقات غرابة في لبنان هو توقف ضمان المواطن عندما يصبح اكثر حاجة للخدمات الصحية؛ فبينما تزداد الإحتياجات للمتقدمين بالسن فهم يحرمون من تقديمات الضمان الإجتماعي عند تقاعدهم. كما ان فشل الضمان الإختياري الذي استهدف هذه الفئة العمرية خاصة يجعل من وزارة الصحة العامة الملجأ الوحيد لها. ان نسب استهلاك الخدمات الطبية والإستشفائية لهؤلاء تشكل ضعف المتوسط الوطني، وعلى القطاع الصحي ان يكيِّف خدماته لتتناسب كماً ونوعاً مع الإحتياجات المتنامية للمسنين. 
أما بالنسبة للفاتورة الدوائية، فإن ما يزيد من وطأة زيادة الحاجة إلى الدواء الناجمة عن التحولين الديموغرافي والوبائي هي الكلفة المتزايدة للأدوية المكتشفة حديثاً. ولقد شهد العقد الفائت تسويقاً لأدوية مسعرة بألوف الدولارات للعلبة الواحدة وهي أدوية لا تؤدي إلى الشفاء بل إلى التعايش مع المرض. مما يوجب استمرار المريض بأخذ الدواء طيلة حياته علماً ان العمر المأمول عند الولادة هو بإزدياد لعدة عوامل منها اكتشاف الدواء بحد ذاته.
ولعل التحدي الأكبر يتمثل بخطر الأوبئة التي تظهر في العالم بتواتر متزايد عاماً بعد عام وتنذر بالتحول إلى جائحة عالمية تهدد حياة الملايين من الناس. ولقد واجهت وزارة الصحة العامة بنجاح ملحوظ هذه الأوبئة وأهمها إنفلونزا الطيور ومن ثم انفلونزا A(H1N1) المعروفة بإنفلونزا الخنازير، وذلك بالرغم من عدم اكتمال جهوزية لبنان في هذا المجال وهذا موضوع يتطلب جهداً استثنائياً لا يجوز التهاون به.

2-4    التحديات المتعلقة بطبيعة النظام الصحي
يتميز النظام الصحي في لبنان بتشعبه وتعدديته سواء على مستوى التمويل او تقديم الخدمات الصحية. لقد ساهمت الحرب في اضعاف القدرة المؤسساتية للدولة والقطاع العام اللذين تراجع دورهما في تقديم الخدمات الصحية. أما المؤسسات غير الحكومية والقطاع الخاص فقد تنامى دورها وحجمها وساهمت في سد النقص الناتج عن غياب الدولة.
دفع القطاع الخاص بالخدمات الصحية في لبنان نحو التركيز على العلاجات المتطورة والتكنولوجيا الطبية المتقدمة كونه كان يمثل 90% من عدد الاسرّة، إلى ان اهلت الدولة المستشفيات الحكومية وإنشأت مستشفيات جديدة وأصدرت القانون الذي منحها الإستقلال المالي والإداري. تلعب هذه المستشفيات حالياً دوراً متنامياً وتشكل منافساً حقيقياً للقطاع الخاص.
إن وفرة العرض أدت إلى زيادة كبيرة في الإستهلاك فبلغت معدلات الإستشفاء (hospitalisation rates) نسباً عالية قاربت الـ20% متجاوزة معدلات الدول ذات الخصائص الوبائية والديموغرافية المشابهة للبنان. كما ان استهلاك الدواء تخطى الإحتياجات وهناك اسراف في استعمال المواد الصيدلانية والمتممات الغذائية. 
ان ما يفاقم هذا الوضع هو اصرار الأطباء على وصف الدواء بالإسم التجاري Brand كنتيجة مقصودة للحملة التي تستهدف تشويه سمعة الوزارة في تسجيل الأدوية والتي تزعزع الثقة بالدواء الجنيسي. ولقد بلغ الإنفاق السنوي على الأدوية حوالي 120 دولار أميركي للفرد، وتساهم الأسر بشكل مباشر في 94% من مجمل الإنفاق على الأدوية.إن الإنفاق على قطاع الأدوية بلغ حوالي 25% من مجمل الإنفاق الصحي للعام 1998. 
لقد بينت حسابات الصحة الوطنية للعام 1998 بان نسبة الانفاق الصحي العام كانت حوالي 12.3% من اجمالي الناتج المحلي، كما ان حوالي 60% من الانفاق الصحي الوطني كان يدفع عبر المساهمة المباشرة للمواطنين (Out-of-Pocket). مما لا شك فيه بأن تركيز التمويل على العلاج وضعف الوقاية والرعاية الصحية الأولية آنذاك اتى كإنعكاس لغياب التخطيط ولسياسة رد الفعل مما ساهم في زيادة الحاجة إلى المستشفيات والعلاجات المكلفة، يضاف اليه زيادة الإستهلاك غير المبرر. إن نجاح الوزارة في خفض الإنفاق ليصبح 8.5% من الناتج المحلي وخفض نسبة المساهمة المباشرة للأسر إلى 44% من اجمالي الإنفاق لا يعني انه تم بلوغ الهدف. ان مساهمة الأسر ما زالت مرتفعة وتستوجب المثابرة في الإستراتيجية المتبعة والتي اثبتت فعاليّتها.


National Health Accounts summary statistics (LBP)
2005  1998  
3,870,000 4,005,000 Total population estimate
2,625,569,226,000 3,013,517,785,000 Total health expenditure
678,442 752,438 Per capita expenditure
32,411,000,000,000 24,300,000,000,000 Total GDP
8.1 12.4 Health expenditure as % GDP
5.9 6.6 Percent GOL budget allocated to MOPH
    Sources of funds (%)
28.98 18.22 Public
70.99 79.84 Private
59.82 70.65 Households
11.17 9.19 Employers
0.03 1.94 NGO
    Distribution of health care expenditures (%)
38.0 24.5 Hospitals including drugs &medical  supplies
21.0 41.0 Private non-institutional providers
32.0 25.4 Pharmaceuticals
9.0 9.1 Others

3-4    التحديات الناجمة عن تعدد المرجعيات في حماية صحة المواطنين
إن صحة المواطنين لا ترتبط فقط بالدواء والخدمات الصحية بل تتعلق وبشكل اساسي بسلامة المحيط والغذاء والمياه وغيرها من السلع. وغالباً ما يشار إلى تشابك وتضارب الصلاحيات بين الوزارات كإحدى اهم اسباب ضعف الرقابة على هذه السلع، مما يدفع بإتجاه اقتراح مشاريع قوانين جديدة لإيجاد الحل. الاّ ان صياغة القوانين يجب ان تنطلق من رؤية واضحة تضعها كل وزارة تتعلق بمهمتها الأساسية والدور الذي تراه لنفسها على ضوء التطور التكنولوجي في مختلف القطاعات، وسهولة وسرعة انتقال الأشخاص والسلع في عالمنا الحديث وتشعب العلاقات التجارية الوطنية والعالمية. وبما أن الأمن الصحي القومي قد بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن الصحي العالمي، فلا بد من ان يتناسب ايضاً التشريع الوطني مع القوانين والمعاهدات الدولية.
ان دور وزارة الصحة العامة لا يمكن إلاّ ان يكون مكملاً لدور الإدارات الأخرى المعنية في مختلف القطاعات ولا يتضارب معها. هذه الرؤية تؤكد على مسؤولية الوزارة الأساسية في الحفاظ على السلامة العامة وتضعها بنفس الوقت بمنأى عن عملية تجاذب الصلاحيات التي ترافق عادة مناقشة مشاريع القوانين المتعلقة بالرقابة. ولا بد ان تشمل الإستراتيجية الوطنية للصحة صياغة النصوص التي تتناسب مع هذه الرؤية إضافة إلى تعزيز الصلاحيات والإمكانيات الرقابية لوزارة الصحة وغيرها من الوزارات المعنية.

4-4    التحديات المتعلقة بتعدد الصناديق الضامنة
تمثل وزارة الصحة العامة شبكة الأمان الصحي بحيث يلجأ إليها كل من لا ينتمي إلى نظام تأمين عام أو خاص. تموّل الوزارة نفقات الاستشفاء لهؤلاء المواطنين وتؤمن لهم الأدوية للأمراض المزمنة والمستعصية. يحصل المواطن الذي يحق له الإستفادة من تغطية الوزارة على الأدوية المكلفة بدون اي مقابل على خلاف تقديمات الضمان التي تستوجب ان يدفع المواطن ثمن الدواء ثم يسترد بعد عدة شهور نسبة 85% من الفاتورة. بالإضافة إلى كون وزارة الصحة العامة تشكل شبكة أمان إجتماعي عبر تغطية غير المضمونين، فلقد أصبحت أيضاً بمثابة صندوق لإعادة التأمين، يساهم في تغطية تكاليف بعض العلاجات لشرائح مضمونة من المواطنين. يؤدي ذلك إلى زيادة أرباح أو تمويه خسائر عددٍ من الجهات الضامنة الخاصة والعامة.
ان المستفيدين من خدمات الوزارة هم إما من العاطلين عن العمل او العمال الموسميين اي الشريحة الأفقر من المجتمع. كما ان الضمان يتوقف عن التقديمات الصحية للمضمونين عند تقاعدهم فيلجأ هؤلاء إلى الوزارة وهم من المتقدمين بالسن. وبذلك يتميز المستفيدون من تغطية الوزارة بأنهم الأفقر والأكبر سناً اي الشرائح الأكثر حاجة والأكبر كلفة. ان فلسفة شبكة الأمان تقوم على تغطية العلاجات الباهظة الكلفة حتى لا تدفع بالمواطن تحت خط الفقر نتيجة تحمل ثمنها، وبالتالي فهي لا تشمل الخدمات الخارجية كزيارة الطبيب والفحوصات والوصفات العادية. إلاّ ان هذه الخدمات تشكل ايضاً عبئاً لتكرارها سنوياً خاصة بالنسبة للمصابين بأمراض مزمنة. لذلك توفر الوزارة بديلاً لهذه الخدمات يتجسد بالرعاية الصحية الأولية التي تدعم تقديمها من قبل شبكة وطنية مؤلفة من 150 مركزاً متواجداً على كامل الأراضي اللبنانية. هذا المشروع تقوم به الوزارة بالتعاون مع القطاع الأهلي ومقابل مساهمة رمزية من المواطن. ولقد كان لتوسيع هذه الشبكة وتعزيز خدماتها إضافة إلى تعزيز المستشفيات الحكومية، الأثر الملحوظ على تخفيض انفاق الأسر على الصحة بناء على استراتيجية وطنية استهدفت تحقيق هذا الهدف تحديداً. إلاّ ان العبء على كاهل الأسر ما زال مرتفعاً ويجب الإستمرار في استهدافه من خلال الإستراتيجية الوطنية العتيدة.

خامساً: الإستراتيجية الوطنية لقطاع الصحة
يهدف إصلاح القطاع الصحي في لبنان إلى تحسين أداء النظام الصحي تحقيقاً لأهداف الصحة العامة والإنصاف في ايتاء الخدمات وتمويلها وتأمين التطور المستدام لنظام التغطية. إن الحدّ من ازدياد الكلفة للرعاية الصحية نسبة للناتج الإجمالي وتأمين خدمات عادلة، ذات جدوى وفعالية وتخفيف العبء عن كاهل الأسر تشكل الحجر الأساس في الإصلاح الصحي. إلاّ انه لابد من صياغة عدة برامج لتطال الإصلاحات مجالات متعددة مرتبطة بالقطاع الصحي كالمحددات الإجتماعية للصحة والتأمين الصحي الإجتماعي وأنظمة المعلوماتية بالإضافة إلى الرعاية الصحية الأولية وهي الركيزة الأساسية لتحسين المستوى الصحي للمواطنين. وبما ان الوزارة تغطي الإستشفاء والعلاجات المكلفة دون الخدمات الخارجية لابد من تطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية وضمان جودتها ضمن كلفتها المقبولة لتشكل بديلاً عن هذه الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص من معاينات وأدوية وفحوصات تكون بمتناول المواطن المحدود الدخل وتحوز على ثقته. مما يستوجب توسيع وتعزيز شبكة المراكز بشكل يسهل إيصال الخدمات إلى جميع المواطنين خاصة الفئات المستضعفة.
كما إن رفع مساهمة القطاع العام في التمويل الصحي هو امر ضروري لسببين: الأول لأن مساهمة الدولة في التمويل الصحي تعتبر منخفضة جداً مقارنة مع دول العالم بما فيها منطقة شرق المتوسط. ثانياً لأنه لا يمكن رفع العبء المالي عن كاهل الأسر الفقيرة دون تحسين التغطية الإجتماعية وتعزيز خدمات الرعاية الصحية.

1-5    تعزيز ثقة المواطن بوزارة الصحة العامة
تقوم الوزارة بتقديم خدمات هامة للمواطنين تفوق في بعض الأحيان التقديمات في دول غنية، إلاّ انها لا تترك الصدى الإيجابي المناسب لدى المواطنين وذلك لعدة أسباب تستوجب المعالجة أهمها:
أ-    تنفق الوزارة معظم موازنتها على تغطية علاجات المواطنين في المستشفيات الخاصة. تمتلك الطوائف معظم هذه المستشفيات وتجيّر هذه التقديمات لمصلحتها بحيث يشعر المواطن بأن طائفته هي التي ترعاه وليس الدولة. كما ان تدخل السياسيين غالباً بدون مبرر لإيصال الخدمة للمواطن يعزز الولاء للسياسي بدل الولاء للدولة.
ب-    تقصير بعض الموظفين بواجباتهم وعدم التعاطي اللائق مع المواطن بما يؤدي إلى امتعاضهم وبما يعطي مبرراً إضافياً للتدخل السياسي.
ج-    النقص الكبير في ملاك الوزارة وعدم توفر الحد الأدنى من وسائل العمل للموظفين ينعكس بدوره على أداء هؤلاء وعلى تعاطيهم مع المواطن. وأبسط دليل على ذلك هو البناء الحالي غير اللائق، واكتظاظ مكاتبه بالموظفين، وتجمع عشرات المواطنين امام مصعده الوحيد، وعدم وجود موقف لسيارات الموظفين والمواطنين، وحتى صعوبة الوصول إلى الوزارة لإحاطتها بأكثر من جهاز عسكري ... كل ذلك يخلق جواً من التوتر والإمتعاض يطغى على أي شعور بالإمتنان بالحصول على الخدمة مهما كانت هامة ومكلفة.
د-    عدم تناسب موازنة وزارة الصحة العامة مع الخدمات التي تقدمها ومع التزامات الحكومات المتعاقبة التي تعد المواطنين بتغطية افضل العلاجات وأكثرها كلفة دون ان تتخطى الاعتمادات المرصودة للوزارة 3% من موازنة الدولة. إن محدودية الإعتمادات تفرض تحديد سقف مالي لكل مستشفى متعاقد بما في ذلك المستشفيات الحكومية، مما يؤدي إلى ازمات في عدة مستشفيات آخر كل شهر تستوجب تدخل الوزارة بأعلى مستوياتها والوزير شخصياً لحل المشاكل المتعلقة بحالات استشفاء افرادية. كما ان نفاذ اعتماد الدواء يؤدي إلى انقطاع قسم كبير من الأدوية التي توزعها الوزارة قبل نهاية كل عام. لذلك يتوجب اولاً ترشيد الوعود السياسية لكي تتناسب مع امكانيات البلد، وترشيد استعمال الموارد المتاحة إدارياً لتقديم اكبر قدر من الخدمات ضمن الإعتمادات المتوفرة، ولكن يتوجب ايضاً وبإلحاح زيادة اعتمادات الوزارة لكي تقوم بكامل واجباتها تجاه المواطنين.
ه-    اضف إلى ذلك التضخيم لأي تقصير من قبل السياسيين ووسائل الإعلام إلى حد يخلق جواً من العداء بين المواطن ومؤسسات الدولة. 

إن ثقة المواطن بمؤسسات الدولة عامة ووزارة الصحة خاصة تعتبر الركن الأساس لإنماء روح المواطنية ولنجاح اي استراتيجية وطنية.

2-5    إعتماد هيكل تنظيمي جديد لوزارة الصحة العامة
يعود الهيكل الحالي للوزارة إلى عام 1961 وغني عن القول انه لم يعد يتناسب ابداً مع متطلبات هذا العصر، وذلك بالرغم من استحداث بعض الدوائر بمراسيم صدرت تباعاً منذ عشرين عاماً. علماً ان قسماً من هذه الدوائر لم يفعل لعدة اسباب منها عدم وجود مكان لها في مبنى الوزارة المركزي. لقد انجزنا تنظيماً إدارياً جديداً لوزارة الصحة العامة بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية سوف نتقدم به بصيغة مشروع قانون.

3-5    تأمين العنصر البشري الكفوء
لقد درجت الإدارة أن تحدد الحاجة إلى العناصر البشرية بإقتصارها على الشواغر في الملاك. إن وزارة الصحة العامة كغيرها من الوزارات تعاني من نقص حاد في موظفي الملاك. إلاّ ان الهيكلية الإدارية للوزارة هي قديمة وكذلك تحديد مؤهلات وشروط تعيين الموظفين الفنيين التي يعود للعام 1964، وبالتالي لا بد من النظر ابعد من الملاك الحالي في حال اردنا تلبية احتياجات الوزارة للعناصر البشريّة لكي تقوم بمهامها وفقاً لمتطلبات العصر.
عدد الوظائف الملحوظة في الملاك هو 1315 وظيفة (المرسوم الإشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959 وتعديلاته "نظام الموظفين") منها 344 وظيفة يشغلها موظفون و971 مركزاً شاغراً.
عدد المتعاقدين وفق الوظائف الملحوظة في نظام التعاقد 756 متعاقداً (المرسوم رقم 1434 تاريخ 24/6/1978) منهم 140 سيبلغون سن التقاعد خلال عام.
عدد الأجراء وفق المرسوم رقم 5420 تاريخ 14/5/2001 (نظام الأجراء الخاص في وزارة الصحة العامة) هو 336 اجيراً بينما يوجد حالياً 380 أجيراً أي هناك 44 فائضاً بالأجراء ومعظمهم سيبلغ سن التقاعد خلال عام.

4-5    تعزيز الوحدات الإقليمية
تعزيز مصالح الصحة في المحافظات وأقسام الصحة في الأقضية (طبابات الأقضية) التابعة لها خاصة لجهة توفير العناصر البشرية اللازمة. مثال على ذلك ضرورة وجود مهندس صحي على الأقل في كل محافظة واستكمال عدد المراقبين الصحيين وإستحداث وظيفة مجاز بالصحة العامة بمستوى جامعي للإشراف على المراقبين بمستوى مهني وتعزيز دورهم في الحفاظ على الصحة والسلامة العامة.
مع الإشارة إلى تعاون وزارة الصحة مع مجلس الإنماء والإعمار لإيجاد التمويل اللازم لتشييد بناء نموذجي في كل قضاء لقسم الصحة يستوعب المراكز المستحدثة ويعزر اللاحصرية الإدارية.

5-5    تعزيز دور الوزارة الرقابي للحفاظ على الصحة العامة
اناطت النصوص القانونية بوزارة الصحة العامة مهمة حماية صحة المواطنين والسهر على السلامة العامة. كما نصت بعض القوانين على صلاحيات واسعة لأجهزة الوزارة في المراقبة واخذ العينات من المواد المشتبه بها وتحليلها، وفي اتخاذ تدابير رادعة ضمن مسؤولياتها كضابطة صحية. إلاّ أن قوانين أخرى عدة قد نصت ايضاً على مسؤوليات ومهام رقابية واضحة لوزارات اخرى في مجالات مختلفة. إن تعدد الشركاء في الحفاظ على السلامة العامة يجب ان يؤدي إلى التعاون وليس التضارب في الصلاحيات. لا بل يجب ان يكون كل مواطن، اكان موظفاً أم منتجاً أم مستهلكاً، مسؤولاً عن الحفاظ على الصحة العامة.
ان العوامل التي تؤثر على الصحة في عالمنا الحديث تفوق التعداد وهي متشعبة تتعلق بجميع القطاعات. إن تلوث الهواء وعدم معالجة النفايات وحوادث السير والصحة الحيوانية و صناعة ألعاب الأطفال وطرق تخزين المواد السريعة الإشتعال هي بعض الأمثلة ناهيك عن مصادر وشبكات المياه وسلسلة المواد الغذائية. 
ان تعدد وتنوع مصادر تهديد الصحة العامة يستوجب معالجة متعددة الإختصاصات وبالتالي تدخل عدة وزارات. تعتبر وزارة الصحة العامة المسؤولة الأولى عن كل ما يتعلق بصحة المواطن ولكنها في جميع الأحوال ليست المسؤولة الوحيدة، وفي معظم الأحوال ليست المسؤولة المباشرة. وذلك بإعتبارها مسؤولة عن المراقبة اللاحقة وتقسم إلى قسمين "المراقبة العشوائية" و"المراقبة الإنتقائية" الموجهة بالمعطيات الصحية والوبائية. أي انها بمثابة الضمير الذي يسهر على صحة المواطن ويترصد ليتدخل عند الشك او عند الإستشعار بخطر، كبداية تفشي وباء، لإحتوائه ومعالجة اسبابه مع الجهة المختصة المسؤولة مباشرة عن مصدر الخطر أكان بيئياً أم تجارياً ام زراعياً أم بيطرياً أم صناعياً. فعلى سبيل المثال ان مصالح المياه هي المعنية عن تأمين مياه شفة سليمة للمواطنين وهي المسؤول المباشر عن الرقابة الروتينية عبر اخذ العينات من كل مصدر يومياً لتحليله والتأكد من خلوه من الجراثيم ومن نسب الكلور فيه. إلاّ انه من واجبات وزارة الصحة اخذ عينات عشوائية او التوجه وفقاً للمعطيات الوبائية إلى المصادر المشكوك بسلامتها لأخذ العينات وتحليلها. ينطبق المبدأ نفسه على المنتوجات الزراعية والحيوانية وعلى الصناعات الغذائية. 
يمكن قراءة وتطبيق جميع النصوص القانونية المتعلقة بالرقابة وفقا لمفهوم الرقابة المسبقة او المباشرة والرقابة اللاحقة أو الثانية العشوائية أو الموجهة، كما هو واضح مثلا في النصوص المتعلقة بصلاحيات وزارتي الإقتصاد والتجارة والصحة العامة. تنص المادة الثامنة من قانون حماية المستهلك رقم 659/2005 بشكل صريح على ما يلي: "تتولى مديرية حماية المستهلك ... التثبت من نوعية وسلامة الخدمات والسلع، وبخاصة الغذائية منها، والقيام بالفحوصات اللازمة بشأنها..." أي رقابة روتينية مباشرة لوزارة الإقتصاد. بينما تنيط المادة الأولى من المرسوم الإشتراعي رقم 71/1983، المتعلق بسلامة المواد الغذائية، بالمراقبين الصحيين "اخذ عينات من المواد الغذائية المشتبه بسلامتها او عدم صلاحيتها للإستهلاك البشري وارسالها الى المختبر". وهي بكل وضوح رقابة ثانية لوزارة الصحة موجهة نحو المواد المشتبه بتهديدها صحة المواطنين.
ان المهام المنوطة بمختلف الجهات الإدارية تحتاج إلى إعادة صياغة حتى تكمل بعضها البعض بدل ان تتضارب وذلك دون اعفاء اي وزارة من تحمل المسؤولية الكاملة في نطاق اختصاصها. ولعله من الأهمية بمكان اعادة التركيز على الدور الأساسي للسلطات المحلية التي تستطيع القيام بمهام لا يمكن لأي إدارة مركزية القيام بها في كل ما يؤثر على الصحة العامة ضمن نطاقها. 

6-5    السهر على السلامة العامة والترصد الوبائي
ان سلامة المواطنين في اي دولة ترتبط بالسلامة العامة في الدول الأخرى، مما حدى بمنظمة الصحة العالمية إلى اعتماد نصوص قانونية تدعى اللوائح الصحية الدولية (IHR)، تحدد دور الدولة في حماية نفسها وحماية الدول الأخرى عند حدوث ما يهدد السلامة العامة فيها. هذه النصوص هي ملزمة للبنان وتعتبر وزارة الصحة العامة المسؤولة تجاه منظمة الصحة العالمية عن إيفاء لبنان بالتزاماته، خاصة لجهة الإكتشاف المبكر لأي وباء او اي خطر قد يهدد الصحة العامة. وفقا لهذه اللوائح، تقوم المنظمة بتأمين المساعدة اللازمة للدولة المصابة وبإبلاغ باقي الدول لإتخاذ تدابير الوقاية لحماية مواطنيها. وللتأكيد على خطورة هذا الأمر وارتباطه بموضوعنا نذكِّر بمرض جنون البقر Mad cow disease عام 1994 المنتقل بواسطة تناول لحم البقر، وكان مصدره المملكة المتحدة واحدث ذعراً عالمياً. وكذلك تلوث الدجاج من مصدر بلجيكي بمادة الديوكسين Dioxin المسرطنة والذي صُدّر إلى عدة دول في العالم قبل اكتشافها عام 1999. وتلوث حليب الأطفال المستورد من الصين عام 2008 بمادة الميلامين Melamine. واخيراً لايغيب عن بال احد الذعر الذي نجم عن تفشي وباء إنفلونزا الطيور Avian Influenza عام 2004، ومن بعده التفشي السريع عام 2009 لوباء A(H1N1) المعروف بإنفلونزا الخنازير ولقد كان لوزارة الصحة العامة دوراً هاماً في ترصد الحالات واكتشافها بسرعة وعزلها ومعالجتها لتفادي انتشار هذا الوباء في لبنان. ولقد حققت الوزارة نجاحاً مشهوداً، خاصة انها وخلافاً لمعظم الدول الأخرى لم تنفق ليرة واحدة من خارج موازنتها لهذه الغاية. ولم تكن الوزارة لتنجح لولا وجود برنامج الترصد الوبائي الذي أنشأناه عام 1996 مستعينين بما توفر من فائض الموظفين اخضعناهم لعدة دورات تدريبية، كما تعاقدنا مع بعض الإختصاصيين عبر مجلس الخدمة المدنية. يتبع لهذا البرنامج حالياً ما يقارب خمسين موظفاً موزعين على مختلف الأقضية، قسم كبير منهم يقوم بمهام الرقابة إضافة إلى مهامه الأساسية دون مقابل إضافي. علماً أن الهيكلية الإدارية لوزارة الصحة العامة لا تلحظ هكذا وظائف مما يستوجب استصدار مرسوم لتحويل هذا البرنامج إلى دائرة.
وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن ما يعرف بالمراقبين الصحيين في ملاك وزارة الصحة العامة هم من حملة البكالوريا الفنية موزعين على مصالح الصحة في المحافظات وطبابات الأقضية. مهامهم الأساسية هي الكشف على الأبنية والمنشآت والمؤسسات لإبداء الرأي للقائممقام او المحافظ أو وزارة الصناعة في سياق الترخيص للمؤسسات المصنفة، او في سياق التحقيق في الشكاوى. لا يتعدى العدد الإجمالي للمراقبين الصحيين حالياً سبعين مراقباً ليس بينهم اي مجاز. لقد اخضع هؤلاء المراقبين لعدة دورات تدريبية في مجال المراقبة الغذائية ولكن يبقى دورهم محدودا نظراً اولاً لتشعب مهامهم، ثانياً لقلة عددهم، وثالثاً لمستواهم العلمي المحدود! ومازال النقاش دائراً مع مجلس الخدمة المدنية حول مشروع القانون لتعديل ملاك الوزارة فيما يتعلق بالرقابة الصحية لإضافة وظيفة مراقب صحي مجاز لإدخال العناصر البشرية الكفوءة بغية تعزيز قدرات الوزارة للقيام بمهام الرقابة اللاحقة العشوائية أو الإنتقائية الموجهة وفقاً للمفهوم الآنف الذكر.

7-5    إعادة إحياء المختبر المركزي
لا يمكن أن تستقيم ألأمور بغياب المختبر المركزي كونه ركيزة اساسية للحفاظ على السلامة العامة في البلد، فهو المختبر المرجعي للصحة العامة بالنسبة لتحاليل المياه والمواد الغذائية كما يلعب دورا أساسيا" في تحليل الأدوية ومراقبة جودتها. الا أن التطور العلمي يقضي بفصل مختبر الدواء وجعله إدارة مستقلة منفصلة عن باقي فروع مختبرات الصحة العامة في أي مشروع مستقبلي.

8-5    تحسين المؤشرات الصحية والعمل على خفض الفوارق بين المناطق تحقيقاً لمبدأ الإنصاف
تلتزم وزارة الصحة العامة بتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية وهي على الطريق الصحيح بإتجاه خفض النسب الوطنية لوفيات الأمهات والأطفال إلى المستويات المطلوبة، وكذلك مكافحة الأمراض الإنتقالية كالسيدا والسل. إلاّ ان تحقيق مبدأ الإنصاف لجهة ازالة الفوارق بين المناطق يبقى هدفاً يستوجب تعاون عدة وزارات لإرتباطه بالمحددات الإجتماعية للصحة. تلعب وزارة الصحة العامة دور المحرك للوزارات المعنية في هذا الموضوع وتلتزم بتحقيق ما يتعلق بها من اهداف. ان جميع المحافظات تتشاطر المشاكل الوطنية نفسها من ناحية الموارد، وفرة الأسرة الإستشفائية والفائض في عدد الأطباء الذي يقابله نقص كبير في عدد الممرضات. كذلك من ناحية الإحتياجات حيث يجب تفعيل المستشفيات الحكومية عبر اتخاذ القرار السياسي لتشكيل مجالس إدارة وتقديم الدعم المالي المناسب لها. إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز الإمكانيات الرقابية للوزارات المعنية بالحفاظ على سلامة المواطنين بما فيها وزارة الصحة العامة. إلاّ انه يجب التركيز على المناطق التي يتدنى فيها مستوى المؤشرات الصحية عن المعدل الوطني. علماً ان المؤشرات في المحافظات هي بدورها معدلات وسطية بين مؤشرات ممتازة في مراكز الأقضية وبعض المدن واخرى متدنية جداً كما في معظم قرى عكار والمنية الضنية والهرمل والأحياء الفقيرة للمدن الكبيرة. وهنا نؤكد على أن معالجة الوضع الصحي في هذه الجيوب يجب الاَّ يقتصر على تحسين خدمات الرعاية الصحية، فالأهم هو معالجة ما بات يعرف بالمحددات الإجتماعية للصحة كالفقر والبطالة والأمية. وليست صدفة ان تكون المؤشرات الصحية الأدنى متعلقة بالمناطق الأكثر فقراً، بالرغم من استهداف هذه المناطق من قبل وزارة الصحة عبر توجيه البرامج الصحية اليها وتعزيز الخدمات الرعائية فيها.

9-5    تنمية الموارد البشرية الصحية
إن وزارة الصحة العامة ليست مسؤولة عن مواردها البشرية فقط بل ايضاً عن الموارد البشرية الصحية في لبنان واهم مشكل تواجه هذا القطاع هي النقص بالجهاز التمريضي لذلك لا بد من تعزيز قدرات كليات التمريض التابعة للجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية، والترويج للإلتحاق بهذه الكليات وتأمين منح دراسية للراغبات بذلك. كما يجب الاستمرار لا بل تطوير التعاون بين وزارة الصحة العامة وكلية الصحة في الجامعة اللبنانية، وكذلك الدعم المالي السنوي لبرنامج التمريض في التعليم الرسمي المهني. علماً ان النقص في الجهاز التمريضي لا يطال فقط المستشفيات الحكومية والخاصة بل يعتبر ايضاً عائقاً اساسياً لتطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية.
لقد بادرت وزارة الصحة العامة إلى تنظيم العديد من المهن الصحية في الأعوام الماضية منها التمريض والعلاج الفيزيائي والتغذية، ولكن يوجد مهن عديدة ما زالت بحاجة إلى نصوص تنظيمية كمهنة النفساني والمعالج النفسي وهذا امر هام لما له من تأثير على دعم خدمات الصحة العقلية ودمجها في الرعاية الصحية الأولية.

10-5    توسيع وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية
تؤمن خدمات الرعاية الصحية الأولية مردوداً صحياً كبيرأ بالمقارنة مع الموارد المتواضعة التي تحتاجها، خاصة في المناطق الفقيرة. ان المشروع الرائد الذي تقوم به وزارة الصحة منذ سنوات مع جمعية المقاصد في وادي خالد جعل من المؤشرات الصحية لأفقر منطقة في عكار أفضل من المعدل الوطني! وهذا ينطبق على مؤشرات وفيات الأطفال ووفيات الأمهات. 
إنطلاقاً من هذه التجربة قامت الوزارة بصياغة مشروع دعم المرأة الحامل ومولودها في جميع الأقضية على حدود لبنان البرية معتمداً على المستشفيات الحكومية لتقديم خدمات الصحة الإنجابية.
إن العلاقة التعاقدية مع مؤسسات المجتمع المدني ساهمت إلى حد ما في ترشيد الإنفاق الصحي عبر تخصيص قدراً اكبر من الأموال للرعاية الصحية الأولية من جهة وترشيد خدمات القطاع الأهلي من جهة أخرى. بنيت هذه العلاقة على التزام المراكز بتقديم سلة كاملة من الخدمات وفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية، بعد ان كانت تقدم فقط الخدمات العلاجية والأدوية. بينما تتعهد الوزارة بتقديم الدعم التقني من صياغة بروتوكولات وتدريب العاملين وتأمين اللقاحات والأدوية الأساسية عبر اليونيسف وأدوية الأمراض المزمنة عبر جمعية الشبان المسيحية. ان ما يميز هذه العلاقة هو عدم شراء الخدمات ودفع الأموال للجمعيات والإكتفاء بالتقديمات العينية. علماً ان المركز يلتزم بتحسين المستوى الصحي للمواطنين في نطاقه الجغرافي عبر تقديم الرزمة الشاملة لخدمات الرعاية الصحية الأولية. أي ان العقد لا يحفّز الإستهلاك، بل يحفّز المداخلات المجتمعية الضرورية والهادفة. لقد شكلت هذه العلاقة البديل المناسب للمساهمات المالية التقليدية التي تقدمها عدة وزارات للجمعيات الأهلية دون ان تكون الدولة قادرة على التحكم بالإنفاق او حتى تقييم نتائجه. ان ما تقدمه وزارة الصحة للمراكز الصحية من تدريب وأدوية اساسية ولوازم طبية وتعزيز قدرات ضمان الجودة هو هادف بطبيعته ولايمكن توظيفه إلاّ للغاية المحددة له. كما ان ادخال البلدية كطرف ثالث في العقد أمّن مشاركة فاعلة للمجتمع المحلي في توجيه وإدارة وتقييم خدمات الرعاية. وهنا لابد من التنويه بالشق الآخر للتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات وهو التنسيق المباشر بين طبيب القضاء والمخاتير ومأموري النفوس لتحديد الأطفال المستهدفين في برنامج التلقيح إسمياً، مما ادى إلى زيادة التغطية التلقيحية لتقارب المئة بالمئة في الكثير من الأقضية.
ان تعزيز شبكة مراكز الرعاية الصحية الأولية، وربطها بالمستشفيات الحكومية وفق نظام احالة، يعتبر ركيزة أساسية للإستراتيجية الوطنية. تشمل هذه الشبكة تدريجياً كا مل المناطق اللبناية مستعينة من اجل ذلك بنظام المعلومات الجغرافي GIS الذي يبين مجموعات القرى التي مازالت بحاجة للتغطية.

11-5    مكافحة الأمراض غير السارية
تشكل الأمراض غير السارية كأمراض القلب والسكري والسمنة والسرطان وغيرها، العبء الأكبر على الصحة في لبنان. ولقد اولت منظمة الصحة العالمية اهتماماً خاصاً بهذا التحول الوبائي وهي تقدم الدعم لمكافحة هذه الأمراض ولا بد من الإستفادة من هذه الفرصة لتعزيز وضع لبنان في التصدي لهذه الأوبئة. تتشارك جميع هذه الأمراض في نفس عوامل الخطورة وهي التدخين والأنماط الغذائية المشبعة بالدهون والسكاكر وقلة الحركة. الأمر الذي يستوجب توعية المواطنين على هذه المخاطر وارشادهم بغية تغيير سلوكياتهم وإيلاء تلاميذ المدارس اهتماماً خاصاً، مع التأكيد على دور الإعلام في هذا المجال. ويمكن البناء على تجارب الوزارة في هذا المجال والإستفادة من نقاط القوة للنظام الصحي لتنفيذ هذا الجزء الهام من الإستراتيجية الوطنية ومنها على سبيل المثال:
أ-    الحملة الوطنية السنوية للكشف المبكر على سرطان الثدي: اقيمت هذه الحملات طيلة العشر سنوات الماضية وأدت إلى زيادة الوعي لدى السيدات حول هذا المرض الخطير والذي يمكن الشفاء منه كلياً في حال اكتشافه باكراً. وبالفعل اظهرت الدراسات ان تشخيص هذا المرض يتم اكثر فأكثر بمراحله الأولى وان نسبة الشفاء منه تتحسن سنة بعد سنة. يمكن البناء على هذه التجربة لمكافحة سرطانات اخرى كسرطان عنق الرحم والبروستات والقولون وغيرها. وكذلك الحملة السنوية للتوعية ومكافحة الانسداد الرئوي، التي يمكن تعميمها لتطال امراض القلب والشرايين والسمنة وما شابه. كما لابد من مواصلة الإرشاد الصحي عبر ندوات في القرى والمدارس والمراكز الصحية على غرار ما يقوم به برنامج مكافحة السكري.
ب-    قانون الحد من مضار التدخين: لقد حققنا انجازاً كبيراً في إصدار هذا القانون كما صدرت المراسيم التطبيقية له ونحن بصدد صياغة الآليات لتنفيذه تباعاً وفقاً للمهل المحددة. ان مكافحة التدخين تعتبر المداخلة الأكثر فعّالية والأقل كلفة لمكافحة الأمراض غير السارية.
ج-    برنامج الأدوية للأمراض المزمنة: ان هذا البرنامج الذي تطبقه الوزارة منذ أكثر من عقد ونصف بالتعاون مع القطاع الأهلي يعتبر انجازاً فريداً للبنان يميزه عن غيره في منطقة شرق المتوسط. يعتبر هذا البرنامج حجر الزاوية لمكافحة الأمراض غير السارية ويمكن البناء عليه بإتجاهين: الإتجاه الأول، عبر القيام بحملات للكشف المبكر لهذه الأمراض من خلال مراكز الرعاية الصحية الأولية بهدف إدخال المرضى في البرنامج وتقديم الدواء عند التشخيص في مراحل المرض الأولى. والإتجاه الثاني، هو صياغة البروتوكولات العلاجية وتدريب الأطباء والعاملين الصحيين عليها بما في ذلك اعتماد معايير وآليات للإحالة إلى الإستشفاء ومتابعتها بعد مغادرة المستشفى.

12-5    ترشيد العلاقة مع المستشفيات وتحفيز الجودة والفعاليّة
لقد ساهمت قاعدة المعلومات الموحدة للمستفيدين من الصناديق العامة في تفادي التداخل في التغطية ومنع الإزدواجية في الفوترة. ان مكننة نظام اصدار البطاقات قضت نهائياً على الفوترة الوهمية، كما ساهمت التدابير الإدارية وتحسين الرقابة الطبية بالحد من سوء الإستغلال. إلاّ ان العلاقة مع المستشفيات الخاصة مازالت بحاجة إلى ترشيد خاصة لجهة توزيع السقوف المالية بما يتناسب مع احتياجات المناطق، وتطوير الرقابة لتفادي الإنتقائية في ادخال المرضى ومنع تغريم المريض بفروقات مالية غير قانونية. ان اختيار المستشفيات للتعاقد على اساس الإعتماد كانت خطوة هامة لتحفيز الجودة إلاّ انها لا يمكن ان تشكل الشرط الوحيد للتعاقد. لذلك لابد من بناء العلاقة التعاقدية على اساس تقييم الأداء وفقاً لمؤشرات علمية. إن مستوى الأداء الإداري والطبي للمؤسسة بما في ذلك حسن معاملة المريض سيشكل المعيار الأساسي الذي ستعتمده الوزارة للتعاقد وايضاً لتحديد فئة التعرفة. لهذه الغاية،  وبالإضافة إلى مؤشرات الإستشفاء وتقارير الأطباء المراقبين سوف تؤخذ بالإعتبار شكاوى المواطنين الهاتفية والتحقيقات التي ستليها لصياغة لائحة سوداء بالمستشفيات التي تخالف العقد او ترفض ادخال الحالات الطارئة او تفرض فروقات على المريض. ان ترشيد الإنفاق يستهدف ايضاً الحد من الإستشفاء غير المبرر والمبالغة في العلاج.
لابد ان تقوم الوزارة والجهات الضامنة بدراسة كلفة الخدمات الإستشفائية وأثر غلاء المعيشة عليها لإعادة النظر بالتعرفات. كما يجب ان تولي اهتماماً خاصاً بمؤسسات الفئة الثانية وتعمل على إدخال مفاهيم جديدة كالعلاج الرحيم والعلاج المنزلي.
في مجال الإستشفاء ايضاً يتوجب تعزيز وضع المستشفيات الحكومية لممارسة دورها التكميلي للقطاع الخاص والتنافس معه في نفس الوقت. لذلك يجب طرح على مجلس الوزراء مشاريع مراسيم لإعادة تشكيل مجال الإدارة وإعادة النظر بالسقوف المالية لتتناسب مع دور ومهام هذه المستشفيات. كما يجب تفعيل دائرة الرقابة على المستشفيات الحكومية لكي تقوم بمهامها في تقييم اداء المستشفيات الحكومية ووضع نظام لمحاسبتها.

13-5    برامج ضمان الجودة لخدمات الإستشفاء والرعاية الصحية الأولية
لقد نجح برنامج اعتماد المستشفيات في تحسين جودة الخدمات بشكل سريع وملحوظ. تؤكد وزارة الصحة العامة على احترام نتائج التقييم كما يقررها الخبراء، كما تؤكد على التزامها بعدم التعاقد إلاّ مع المستشفيات المعتمدة وفقاً لما ينص عليه القانون وتدعو جميع الجهات الضامنة إلى الإلتزام بذلك. 
من جهة أخرى سوف تستمر الوزارة ببرنامج اعتماد المراكز الصحية بهدف تطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية وتعزيز ثقة المواطن بها. تكتسب هذه الخدمات اهميتها من تأثيرها المباشر على تحسين المستويات الصحية، فهي تنعكس ايجاباً على كلفة الصحة خاصة لجهة تخفيض انفاق الأسر. ان تحسين صورة المراكز الصحية يهدف ايضاً إلى استقطاب كل المواطنين وخاصة محدودي الدخل.

14-5    ضمان جودة المنتجات الصيدلانية وترشيد كلفتها.
لقد انتسبت إدارة الدواء في الوزارة إلى برنامج منظمة الصحة العالمية للحكم الرشيد للدواء، وكانت نتائج التقييم ايجابية. إلاّ ان هذه الإدارة مازالت بحاجة إلى تطوير وإلى كسب ثقة المواطنين لكي تنجح في تطبيق سياساتها. بناءً على ذلك، على الوزارة ان تمنع منعاً باتاً تسويق اي منتج صيدلاني اذا لم يخضع للتسجيل وفقاً للشروط القانونية، كما انه لا بد من إعادة النظر بآليات ومعايير تسجيل وتسويق الأدوية البيطرية بالتعاون مع وزارة الزراعة.
تقوم الوزارة بالتعاون مع وكالة الدواء الفرنسية AFSSAPS بإعادة صياغة اسس وآليات تسجيل الدواء الجنيسي الذي سيخضع لدراسة معمقة من قبل فريق من الخبراء قبل دراسته في اللجنة الفنية. وفي إطار هذا المشروع مع الوكالة الفرنسية سيصار ايضاً إلى وضع معايير وآليات لتسجيل اللوازم الطبية بدءاً باللوازم التي تغرس داخل جسم الإنسان. كما يجب ان تخضع المتممات الغذائية لأعلى معايير الجودة الأوروبية والأميركية قبل تسجيلها، ولقد اصدرت الوزارة قراراً يوجب على المستورد وضع لصاقة تفيد بأن المتمم هو ليس دواء وبأنه مسجل في الوزارة منعاً لإيهام المريض بأنه يفيد كعلاج.
اما بالنسبة للكلفة فإن تخفيض الفاتورة الدوائية هو من أهم الأهداف الإستراتيجية. لذلك سوف يعاد النظر بقرار تسعير الدواء لجهة وضع سقف للدواء الجنيسي مرتبط بالدواء الأساسي ويخفض تلقائياً معه. إلاّ ان التسعير بمفرده لن يشكل حلاً كافياً كون زيادة الإنفاق على الدواء ترتبط بالمبالغة في وصف الأدوية من قبل الطبيب وعدم التزامه بوصف الدواء الجنيسي. إلى جانب زيادة استهلاك المواد الصيدلانية من قبل المواطنين حتى بدون وصفة طبية. إلى ذلك، سوف تعمل الوزارة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية على ترشيد وصف واستهلاك الدواء. كما ان الإستهلاك غير الرشيد يرتبط مباشرة بسياسة الشركات التسويقية غير المسندة إلى البراهين العلمية والتي لا تحترم الأصول الأخلاقية للترويج. لذلك يجب ضبط عمل ما يعرف بالمكاتب العلمية للشركات الكبرى وهي عبارة عن مكاتب تجارية تسويقية غير مرخصة، علماً أن مجلس الوزراء قد الغى الـ"علم وخبر" التي حصلت عليه هذه الشركات من وزارة الداخلية كجمعية اهلية.
ان الالتزام بالمعايير الاخلاقية لترويج وتسويق الدواء بات ضرورة ملحة ولابد من التوصل إلى اجماع جميع الفرقاء على ميثاق الشرف الذي اقترحناه، بغية توقيعه من شركات ومستوردي الأدوية ونقابتي الأطباء والصيادلة برعاية وزارة الصحة العامة. في إطار هذا الميثاق سوف يعزز دور النقابتين، وخاصة دور مجلسيهما التأديبيين لإتخاذ تدابير مسلكية رادعة بحق المخالفين.
كما باشرت الوزارة بإخضاع المصانع الوطنية للأدوية لأصول التصنيع الجيد (GMP) ولن تتهاون في اتخاذ التدابير المناسبة بحق المصانع التي لا تستوفي اعلى معايير الجودة. ان هذا الموضوع يقع في مصلحة المواطن بالدرجة الأولى إلاّ انه يهدف ايضاً إلى تعزيز الثقة محلياً وخارجياً بالصناعة الوطنية.
وأخيراً، لابد من انشاء وتفعيل المجلس الوطني للمخدرات لكي يقوم بدوره وفقاً لقانون المخدرات.

15-5    ترشيد نظام التغطية الصحية ليطال جميع المواطنين بشكل منصف
أ- مصادر التمويل لتوسيع التغطية
إذا كان تعدد الصناديق الضامنة يطرح مشكلة إدارية وتفاوضية ويؤثر سلباً على فعّالية وانصاف التمويل الصحي، فإن تعدد مصادر التمويل يعتبر بحد ذاته عامل استقرار وضمان للإستمرارية. 
لذلك تقضي الإستراتيجية الوطنية بالإبقاء على تعددية مصادر التمويل اي على عناصره الثلاثة: الإشتراكات والضرائب والإنفاق المباشر للأسر، وذلك في سبيل المحافظة على استقرار وديمومة التمويل. بينما تستمر وزارة الصحة العامة في تطبيق استراتيجيتها التي اثبتت أن زيادة حصة الضرائب من التمويل الصحي، اذا ما انفقت وفقاً لهذه الإستراتيجية، تؤدي إلى انخفاض في انفاق الأسر وان نسبة هذا الإنخفاض تفوق بكثير نسبة تلك الزيادة وهذا ما أكده التقرير العالمي للصحة للعام 2010 الصادر عن منظمة الصحة العالمية2 . تقضي هذه الإستراتيجية بترشيد الإنفاق العام عن طريق توجيهه نحو الوقاية والرعاية الصحية الأولية والمستشفيات الحكومية من ناحية، وتعزيز القدرات التنظيمية لقطاعي الإستشفاء والصيدلة من ناحية أخرى.
ان مراعاة مبدأ الإنصاف في التمويل من مصدر ضريبي يوجب تأمين الموارد عن طريق الضرائب المباشرة المرتبطة بالدخل والثروة والأرباح الريعية وليس عن طريق الضرائب غير المباشرة. ان الضريبة على القيمة المضافة TVA هي غير محبذة إلاّ عندما تُفرض على السلع المضرة والتي تهدد الصحة كالسجائر والكحول والدهون الحيوانية كالسمنة والزبدة والوجبات السريعة المشبعة بالدهون والسكاكر والسلاح وخرطوش الصيد وغيرها.
بناء على ذلك، يحدد الهدف الأول بخفض الإنفاق المباشر للأسر مما يوجب زيادة في الضرائب العادلة والمنصفة. اما الهدف الثاني الذي يمكن العمل على تحقيقه بعد النجاح في تحقيق الهدف الأول، يكون بتخفيض اشتراكات الضمان لتخفيف العبء قدر الإمكان عن عوامل الإنتاج لما لذلك من تأثير محتمل على زيادة فرص العمل. وبما انه هناك دائماً محدودية للإيرادات الضريبية، كما ان الضرائب على الأرباح الريعية قد لا تكون مستقرة، فإننا نؤكد على عدم جواز الغاء الإشتراكات او حتى تخفيضها3  قبل التأكد من شرطين، الأول أن الضرائب توفر الإعتمادات الكافية، والثاني ان تكون هذه الضرائب عادلة ومنصفة.

ب- كلفة مشروع التغطية الشاملة
ان احتساب كلفة مشروع اعفاء الأسر الأكثر فقراً من أية مساهمة في تكاليفهم الصحية وتخفيف هذه التكاليف على الأسر الأقل فقراً يستوجب تحديد هذه الفئات وحجم انفاقها على الصحة.
ان مصادر الإنفاق الإجمالي على الصحة هي كما يلي:
44% تدفع مباشرة من موازنة الأسر عند استهلاك الخدمة (OOP).
29% تدفع من خزينة الدولة وتشمل اجمالي موازنة وزارة الصحة وربع انفاق الضمان وموازنات العلاج لباقي الصناديق الضامنة.
27% اشتركات على شكل دفع مسبق للضمان والتأمين الخاص مقسمة مواردها بين 16% من الأسر و11% من ارباب العمل.
ان ما يدفع مباشرة من جيوب المواطنين (OOP) وفقاً لدراسة الظروف المعيشية للأسر التي اجرتها إدارة الإحصاء المركزي عام 2005 ، يوزع وفقاً لفئات الدخل على الشكل التالي:
فئات الدخل الأدنى التي يقل دخلها الشهري عن 650 ألف ليرة تدفع 30% من مجموع الإنفاق المباشر(OOP)، بينما تدفع فئات الدخل التي تتراوح بين 650 ألف ومليون و200 ألف ليرة شهرياً 30% منها، والباقي أي 40% تدفعه فئات الأسر التي يزيد دخلها عن مليون و200 ألف ليرة. مع العلم ان قسماً كبيراً من الانفاق الأخير يدفع لتغطية علاجات غير اساسية كعلاجات الدرجة الأولى والجراحة التجميلية.
يقضي مشروع حماية الفقراء والإنصاف بالتمويل الصحي بإعفاء الفئات الأدنى من أية مساهمة وخفض انفاق الفئات المتوسطة على الصحة إلى النصف.
إذا اعتبرنا ان الإنفاق الإجمالي على الصحة يشكل حوالي 8.5% من الناتج المحلي القائم وان 44% من هذا الإنفاق يأتي مباشرة من جيوب المواطنين (OOP) فتكون مساهمة الأسر المباشرة تساوي 3.74 من الناتج مقسمة على الفئات الثلاثة للدخل على الشكل التالي 1.122%، 1.122% و1.496%. وبالتالي يكون الإنفاق المطلوب تغطيته 1.683%= 2/1.122%+1.122%
إذا احتسبنا على اساس الناتج المحلي القائم للعام 2009 أي 53 ألف مليار ليرة، فيكون تقدير المبالغ المتوجب تخفيضها بما يقارب 900 مليار ليرة. إلاّ ان ذلك لايعني بأن كلفة المشروع تساوي هذا المبلغ. من المعروف ان تلبية احتياجات المواطنين عن طريق تقديمها او تمويلها من الدولة تكلف اقل بكثير مما يدفعه المواطنون مباشرة للحصول عليها. ولقد اثبتت تجربتنا في لبنان بأن ما تدفعه الدولة اذا ما أُحسن انفاقه يعادل ثلاثة اضعاف ما تدفعه الأسر مباشرة من حيث النتائج . اي ان كلفة المشروع تقدر بـ300 مليار ليرة، شرط التقيد بأصول الإنفاق الرشيد والمجدي كما هو مبين ادناه، خاصة لجهة اعتماد مراكز الرعاية الصحية الأولية والأدوية الأساسية الجنيسية ونظام الإحالة إلى او عبر المستشفيات الحكومية وما يقتضي ذلك من دعم لهذه المراكز والمستشفيات.

ج- آليات التغطية الشاملة
ان تحقيق تغطية صحية شاملة لجميع المواطنين يعتبر من اهم اهداف الإستراتيجية الوطنية للصحة ويستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف والإستعمال الرشيد للموارد ومحاربة الفقر. وذلك يقضي بتأمين الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية المضمونة الجودة لجميع المواطنين كل وفقاً احتياجاته، على ان يساهم كل فرد وفق امكاناته وان يُرفع العبء المالي قدر الإمكان عن الأكثر فقراً. يقوم نظام التغطية الشاملة على الأسس التالية:
  1. تُحدد سلة من الخدمات الأساسية الوقائية والعلاجية والإستشفائية تكون بمتناول جميع المواطنين دون استثناء.
  2. توفر الدولة سلة الخدمات الأساسية معتمدةً بشكل أساسي على شبكة المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية ولا تغطي العلاجات في القطاع الخاص إلاّ اذا كانت غير متوفرة ضمن الشبكة المعتمدة وبموجب موافقة مسبقة.
  3. يتوجب على المواطن ان ينتسب إلى واحد من المراكز الصحية التي تعتبر المدخل إلى نظام الخدمات الصحية ويمكن ان يختار المركز وفقاً للنطاق الجغرافي المحدد لسكنه او لنطاق جغرافي مجاور.
  4. يؤمن المركز الصحي البرامج الوقائية وخدمات الرعاية الصحية الأولية بحيث يقوم بنشاطات الكشف المبكر على الأمراض عبر المعاينة السريرية والفحوصات المخبرية والشعاعية كما يؤمن العلاجات بالأدوية الجنيسية المضمونة الجودة. اما في حال عدم توفر الخدمات العلاجية المناسبة في المراكز، فيحال المريض إلى العيادات الخارجية المختصة في المستشفى الحكومي في القضاء او إلى الإستشفاء داخل المستشفى وفقاً للحاجة.
  5. تحال الحالات التي لا يمكن معالجتها في المستشفيات الحكومية الريفية إلى مستشفى المحافظة الحكومي ومنها او مباشرة إلى المستشفى الحكومي الجامعي في بيروت وفقاً لكل حالة.
  6. إذا كانت الحاجة تتعدى امكانيات شبكة المراكز والمستشفيات الحكومية بما فيها المستشفى الجامعي المركزي، تتحمل الوزارة تكاليف العلاج في المستشفى الخاص شرط ان يكون المريض قد احيل اليه من خلال نظام الإحالة المعتمد.
  7. يكون الإنتساب إلى الشبكة بالحصول على البطاقة الصحية التي تقدم مجاناً للمواطنين الأكثر فقراً. كما يتم اعفاء هؤلاء حتى من المساهمة المحددة عند الحصول على الخدمة مهما كان نوعها.
  8. يتم تحديد المواطنين الأكثر فقراً استناداً إلى المسح الذي تقوم به وزارة الشؤون الإجتماعية (Proxy means testing). وتقوم وزارة الشؤون بتسديد ثمن البطاقات والمساهمات المترتبة على هذه الشريحة من المواطنين.
  9. يتوجب على العائلات خارج الشريحة الأكثر فقراً الإنتساب إلى نظام التغطية عبر شراء بطاقة انتساب، تسدد على دفعتين ويحصل المراهقون والأطفال ضمن العائلة على البطاقة بدون أي مقابل.
  10. فور الحصول على البطاقة يخضع كل فرد إلى فحوصات تشخيصية مجانية تشمل التحاليل المخبرية والتصوير الشعاعي وتخطيط قلب وغيرها وفقاً لعمر وجنس كل منهم كما تقدم اللقاحات مجاناً للأطفال وفقاً لأعمارهم.
  11. يتم تحصيل القسط الأول من قبل المستشفى الحكومي او المركز الصحي المعني اللذين يتصرفان بالمبلغ وفقاً لإتفاق بينهما لتغطية قسم من تكاليف المعالجات الخارجية. تتعهد وزارة الصحة العامة بتقديم الدعم للمركز والمستشفى الحكومي وفقاً لعقدي الرعاية الصحية والإستشفاء المعمول بهما.
  12. يسمح لشركات التأمين الخاصة وصناديق التعاضد بتحصيل القسط الثاني للبطاقة لصالح الدولة وتقديم بوالص تكميلية للميسورين الراغبين بذلك.

د- تعميم خدمات الرعاية الصحة الأولية كخطوة إلى الأمام بإتجاه التغطية الشاملة.
بما ان التغطية الصحية الشاملة تتطلب الإلتزام السياسي وتأمين الموارد المالية اللازمة مما يتطلب وقتاً قد يطول. لذلك نقترح البدء بخطوة اولى تتعلق بشمولية الرعاية الصحية الأولية على طريق التغطية الشاملة. هذه الخطوة تتطلب ابتداع آليات تمويل جديدة وتختصر بما يلي:
  1. تحديد نطاق جغرافي يشمل 21 ألف مواطن لكل مركز صحي من اصل الـ150 مركزاً في الشبكة الوطنية. على ان يقدم كل مركز الاثبات على انتساب هؤلاء تدريجياً وإِسمياً خلال 3 سنوات.
  2. يفتح كل مركز صحي باب الإنتساب بإشتراك رمزي سنوي للشخص الواحد مع حد أقصى للعائلة لا يتعدى عشر الحد الأدنى الشهري للأجور مهما كان عدد افرادها. يُترك القرار للمركز بإعفاء الأكثر فقراً على ان يؤمن بدل اشتراكهم من تبرعات يجمعها بواسئله الخاصة وبالتعاون مع البلديات المعنية.
  3. يقدم المركز اللوائح الإسمية لوزارة الصحة التي تساعد على اصدار بطاقات وتساهم مع المركز بضعف المبلغ عن كل منتسب سنوياً.
  4. من المتوقع ان يزيد هذا البرنامج ايرادات المراكز الى ضعف الإيرادات الحالية على الأقل في سنته الأولى مما سيتيح استقطاب عناصر بشرية اضافية وتعزيز امكانات المراكز على جميع الأصعدة.
  5. يقدم المركز عند تسليم البطاقات معاينة سريرية ورزمة من التحاليل تحدد لكل منتسب وفقاً لجنسه ولفئته العمرية، كما تستكمل اللقاحات للأطفال والأولاد وفقاً لرزنامة التلقيح.
  6. إن زيادة نشاطات المراكز ستؤدي إلى زيادة الطلب على الأدوية الأساسية التي تؤمنها او تمولها الوزارة كما سيرتب اعباء ادارية إضافية على دائرة الرعاية الصحية الأولية مما يستوجب تأمين الموارد المالية اللازمة. تقدر التكاليف الإضافية بما لا يزيد على السبعة بالمئة من موازنة الوزارة. لذلك يجب زيادة هذه الموازنة في السنة الأولى بنسبة خمسة بالمئة تخصص للرعاية الصحية الأولية وتوزع وفقاً للتالي: 50% لدعم المراكز، 25% تضاف إلى موازنة الأدوية للأمراض المزمنة و 25% تضاف إلى موازنة برنامج الرعاية الصحية الأولية.
  7. ترعى العلاقة بين الوزارة والمؤسسات التي تدير المراكز عقود تكون البلديات شريكاً اساسياً فيها. تشرف البلدية على عمل المركز وتتأكد من ايصال الخدمات إلى المواطنين وفقاً للعقد. كما تساهم البلديات وفق امكانياتها بتمويل تحديث خدمات المراكز واستقطاب الإختصاصات غير المتوفرة.
تُشكل لجنة اشراف محلية من الجمعية المعنية والبلدية (أواتحاد البلديات) وطبابة القضاء المعني لصياغة برنامج لإستقطاب المواطنين خاصة الفقراء وتطوير عمل المركز. كما تحدِد هذه اللجنة الإعفاءات المالية وفقاً لدراسة اجتماعية وتضع الآليات لجمع التبرعات لتغطية هذه الإعفاءات.



1 مدير عام وزارة الصحة العامة.
   أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية والجامعة الأميرآية في بيروت
2 التقرير العالمي للصحة 2010 . منظمة الصحة العالمية - جنيف.النسخة العربية صفحة 73
3 إصلاح التأمين الصحي من منطلقي سوق العمل والصحة العامة. و. عمّار، م. أعور. المجلة الطبية اللبنانية، 2012؛60 (1) :1-3.
 
Sitemap
حقوق الطبع والنشر محفوظة ل وزارة الصحة العامة ©2017